مش كل موقف محتاج رد، ومش كل فكرة بتيجي في دماغنا لازم نقولها. ساعات كلمة طيبة تصلّح خاطر، وساعات كلمة زيادة تخلّينا نقضي باقي اليوم نقول: «يا ريتني كنت سكتّ».
أكيد مرّ عليك موقف اتكلمت فيه، وبعد ما خلصت قلت لنفسك: «هو أنا إيه اللي خلّاني أقول كده؟».
يمكن هزار تقيل زعّل حد، أو رد وقت عصبية كبّر مشكلة، أو حكاية نقلتها وطلعت مش صحيحة.
الكلمة بتطلع في ثانية، لكن إصلاح اللي عملته ممكن ياخد وقت طويل. وأحيانًا تفضل تشرح: «أنا ما كنتش أقصد»، والطرف التاني يرد: «بس إنت قلت».
وفي ثلاث كلمات، يضع لنا النبي ﷺ المبدأ:
«مَنْ صَمَتَ نَجَا».
الحديث رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» برقم (2874)، وأخرجه الترمذي (2501)، وأحمد (6481).
خلّينا نفهم.
مش كل اللي نعرفه يتقال
تكون قاعد في قعدة لطيفة، وفجأة حد يجيب سيرة شخص مش موجود.
واحد يقول كلمة، والتاني يزوّد معلومة، والتالت يحلّل النوايا. وبعد خمس دقايق، تلاقي الشخص الغايب اتعمل له اجتماع كامل، وهو ما يعرفش أصلًا إن عليه جلسة النهارده.
تحس إن لازم تشارك، فتقول: «ده أنا كمان سمعت عنه…».
استنى بس. سمعت من مين؟ وهل الكلام صحيح؟ وحتى لو صحيح، إيه فايدة إنك تقوله؟
مش لازم يبقى ليك تعليق في كل موضوع. وعادي جدًا تقول: «أنا ما أعرفش التفاصيل»، أو تغيّر الكلام، أو تسكت.
وجودك في القعدة مش معناه إن عليك حصة كلام لازم تكمّلها قبل ما تمشي.
الصمت هنا معناه إيه؟
المقصود في الحديث حفظ اللسان عن الكلام المؤذي والشر وما يوقّع الإنسان في الإثم. أما الكلام الطيب والنافع فله فضله، والحديث مش دعوة إننا نبطل كلام تمامًا.
يعني لما تكون هتنقل إشاعة، اسكت لحد ما تتأكد.
ولما تكون هتفضح سرّ حد، احفظه.
ولما تلاقي الجملة اللي على طرف لسانك هدفها تجرح وبس، ما تقولهاش.
لكن لما حد يعمل معاك معروف، قول له: «شكرًا».
ولما تغلط، قول: «أنا آسف».
ولما حد محتاج كلمة تطمّنه، ما تبخلش عليه بيها.
الفكرة إنك تعرف إمتى كلامك ينفع، وإمتى سكوتك يكون أحسن.
وإنت متعصب… أجّل الرد شوية
حد يبعت لك رسالة تضايقك، فتبدأ تكتب بسرعة كأنك في نهائي بطولة الردود.
تكتب سطرًا، وتمسحه عشان حسّيته مؤدب زيادة، فتكتب واحدًا أشد. وبعدين تضيف الجملة اللي هتقفل بيها الموضوع.
وتدوس إرسال.
بعد ما تهدى، تقرا الرسالة وتقول: «هو مين اللي كتب الكلام ده؟».
للأسف إنت. والخط خطك، والصورة صورتك.
جرّب في المرة الجاية تسيب الموبايل شوية. مش لازم ترد في نفس اللحظة. وبعد ما تهدى، ارجع اسأل نفسك: أنا عايز أوضّح إيه؟
ممكن تلاقي إن اللي محتاج تقوله يتقال في سطرين محترمين، بدل رسالة طويلة محتاجة بعدها ثلاث مكالمات صلح.
وممكن تلاقي إن الموضوع كله ما يستاهلش رد.
مش كل اللي تسمعه تنقله
مش لازم لما حد يسألك، تجاوب بأي إجابة وخلاص.
لو ما تعرفش، قول: «ما أعرفش».
ولو المعلومة مش مؤكدة، قول: «خلّيني أتأكد».
مش هينقص منك شيء، ومحدش هيسحب منك رخصة الكلام.
المشكلة إننا ساعات بنستسهل الإجابة، وبعدها نكتشف إننا قلنا معلومة غلط، وحد تاني صدّقنا ونقلها.
خصوصًا على الإنترنت، المشاركة سهلة جدًا. ضغطة واحدة، والخبر يروح لعشرين شخصًا.
لكن سهولة النشر ما تعنيش إن كل اللي وصلنا يستحق يتبعت.
وفي المعنى ده، قال النبي ﷺ:
«كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».
رواه مسلم في مقدمة صحيحه، في باب «النهي عن الحديث بكل ما سمع»، برقم (5)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
يعني اللي بنسمعه فيه الصحيح وفيه الغلط. ولو نقلنا كل حاجة من غير ما نتأكد، هننقل الكذب وسط الكلام، حتى لو ما اخترعناش الحكاية بنفسنا.
وجملة «أنا بقول اللي سمعته» ما تخلّيش الكلام صحيحًا، ولا تعفينا من مسؤولية نقله.
قبل ما تبعت خبرًا مكتوبًا فوقه «عاجل جدًا»، اتأكد الأول إنه خبر صحيح. يمكن الحاجة الوحيدة العاجلة فيه هي رغبة صاحبه إنه ينتشر!
اسمعه للآخر… يمكن عنده كلام
أحيانًا حد يبدأ يحكي لك مشكلة، وقبل ما يكمل تقول له: «بص، أنا هقول لك تعمل إيه».
يا سيدي استنى، ده لسه بيقدّم الشخصيات!
يمكن هو محتاج يحكي الأول. ويمكن في تفاصيل لو سمعتها هتفهم الموضوع بشكل مختلف.
سيبه يكمل، وبعدها اسأله أو انصحه.
مش كل مرة حد يحكي، لازم نرد بحكاية أطول حصلت لنا. ساعات أحسن حاجة نقدمها له إننا نسمعه باهتمام، من غير مقاطعة، ومن غير ما نستعجل الحكم.
مش لازم تقول آخر كلمة
في نقاشات بتفضل ماشية عشان كل واحد عايز يكون صاحب آخر رد.
تقول له: «خلاص».
يقول لك: «خلاص فعلًا».
فتقول: «ما أنا قلت خلاص».
وبكده نبدأ فصلًا جديدًا بعنوان: خلاص اللي ما بتخلصش.
لو كل واحد قال رأيه، والكلام بقى بيتكرر، عادي تقف. مش لازم تقنع كل الناس، ومش لازم كل اختلاف يتحول لمباراة.
تقدر تقول: «إحنا مختلفين، وكل واحد وضّح وجهة نظره»، وتكمّل يومك.
طب وبعدين؟
قبل ما تتكلم، اسأل نفسك ثلاث أسئلة بسيطة:
- أنا متأكد إن الكلام ده صحيح؟
- فيه فايدة من إني أقوله؟
- أقدر أقوله من غير تجريح؟
ولو كنت غلطت واتكلمت، اعتذر وصحّح اللي تقدر عليه. كلنا بنتعلم، وكلنا محتاجين نراجع كلامنا.
«من صمت نجا» معنى نقدر نفتكره في قعدة، وفي نقاش، وقبل تعليق، وقبل رسالة وقت الزعل.
في كلام يستحق نقوله، وفي كلام الأفضل يفضل عندنا.
وقبل ما تقول كلمة تندم عليها، افتكر إنك لسه تقدر تسكت. بعد ما تقولها، هتحتاج تصلّح أثرها.
توثيق الحديثين والمصادر
١. حديث «من صمت نجا»: عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ صَمَتَ نَجَا». أخرجه الترمذي (2501)، وأحمد (6481)، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (2874).
نص الحديث وتخريجه — شرح الحديث.
٢. حديث «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»: أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، باب «النهي عن الحديث بكل ما سمع»، برقم (5)، بترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.
الإسناد الكامل للطريق المتصل كما أورده مسلم:
«وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ».
وقوله «بمثل ذلك» يرجع إلى متن الحديث الذي أورده مسلم قبله: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ».